يحيى بن معاذ الرازي

213

جواهر التصوف

أما أبناء الآخرة يجدون لذة المعاني ، والمعاني هي الصفات الحميدة التي يسعى الإنسان للتخّلق بها ، والمعاني . . أيضا - هي ما يتجلّى به الحقّ من أذواق على قلب عبده المؤمن الذي أكمل شرائط الإيمان وأحكمها وهي المظاهر القدسية للأسماء ، وهي ليست بصورة حتى تتقيد وتتحيز ، والعلم بها ليس بعلم ، كما قال أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه : العجز عن درك الإدراك إدراك . وأوّل هذه المعاني ومبادئها السّكينة التي متى حلت في القلب سكنت النفس لما حصل فيها من طلب أمر ما ، وانقطعت عنها الأفكار ، التي تتعارض مع ما حصل في نفسه ، كمن سكنت نفسه إلي رزق يومه وقد صار في حوزته ، هل يشغل باله شئ بخصوصه . . كما أن هذه السّكينة تجعل القلب يتقبّل الإيمان بأي أمر مغيب يرد عليه بعد ذلك . * * * 346 - « الولىّ ريحان الله في أرضه ، يشمّه الصّدّيقون ، فتصل رائحته إلى قلوبهم ، فيشتاقون إلى مولاهم ، ويزدادون برؤيته عبادة » [ طبقات الشعراني 1 / 182 ] * الصّدّيق : الذي يصدق قوله بالعمل وهو الذي يعرف به الولىّ من غيره ، فيأنس به وأنه يذكرهم بمولاهم فيشتد شوقهم إليه ويقبلون على العبادة من صلاة وذكر رجاء الوصول ، وقدوتهم في ذلك الولىّ الذي شمّوا منه رائحة الخير الذي يعمر قلبه وأثّر فيهم بهّمته فسلكوا طريق مودّته . * * * 347 - « من علامة المريد : الرضا بالقضاء ، والثقة بالوعد ، والعمل بالإخلاص والشكر على البلاء ، والتوبة من كلّ ذنب ، وامتحان الإرادات » [ الحلية : 10 / 61 ] * المريد : وهو من أراد الطريق إلى اللّه ، والإرادة جمرة من نار المحبة في القلب تبعث على العمل حسب كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتطهير النفس من كلّ المعوّقات في سبيل الوصول إلى اللّه ، والمريد مريدان أحدهما يريد لقاء اللّه بصدقه وطهارته لينال ثواب جهده وثمرة كفاحه لنفسه وهواه ؛ والثاني : يريد لقاءه بخالص العبودية . . فأعان الأول على مراده لينال ثواب صدقه وجهاده ، وفتح للثاني الطريق إليه ووالاه بالعناية والرعاية والتأييد وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] ، فأشرق نور المعرفة في قلبه ، وقوى على مضادة الشهوات ، فزيد له في العطاء ، وكلما ازداد لها هجرانا كلما زيد له في العطاء وازداد قربا من اللّه وعلى المريد في سعيه في طريق اللّه أن لا يغفل عن مراقبة إرادته وتصحيح نيته ، وأن لا يركن إلى علمه أو قوّته بل يردّ الأمر كلّه إلى اللّه ، قال تعالى : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ آل عمران : 101 ]